محمد طاهر الكردي
297
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
بالفسيسفساء وفيها صلب منقوشة بالفسيفساء والذهب والفضة ، وفيها رخامة مما يلي مطلع الشمس من البلق مربعة عشرة أذرع في عشرة أذرع ، تغشى عين من نظر إليها من بطن القبة تؤدي ضوء الشمس والقمر إلى داخل القبة ، وكان تحت الرخامة منبر من خشب اللبخ - وهو عندهم الأبنوس - مفصل بالعاج الأبيض ودرج المنبر من خشب الساج ملبسة ذهبا وفضة ، وكان في القبة سلاسل فضة وكان في القبة أو في البيت خشبة ساج منقوشة طولها ستون ذراعا يقال لها : كعيب ، وخشبة من ساج نحوها في الطول يقال لها : امرأة كعيب ، كانوا يتبركون بهما في الجاهلية وكان يقال لكعيب : الأحوزي - والأحوزي بلسانهم الحر - . وكان أبرهة عند بناء القليس قد أخذ العمال بالعمل أخذا شديدا وكان آلى أن لا تطلع الشمس على عامل لم يضع يده في عمله فيؤتى به إلا قطع يده . قال : فتخلف رجل ممن كان يعمل فيه حتى طلعت الشمس ، وكانت له أم عجوز فذهب بها معه لتستوهبه من أبرهة ، فأتته وهو بارز للناس ، فذكرت له علة ابنها واستوهبته منه ، فقال : لا أكذب نفسي ولا أفسد علي عمالي فأمر بقطع يده ، فقالت له أمه : اضرب بمعولك ساعي بهر ، اليوم لك ، وغدا لغيرك ليس كل الدهر لك . فقال : ادنوها ، فقال لها : إن هذا الملك أيكون لغيري ، قالت : نعم ، وكان أبرهة قد أجمع أن يبني القليس حتى يظهر على ظهره فيرى منه بحر عدن ، فقال : لا أبني حجرا على حجر بعد يومي هذا ، وأعفا الناس من العمل . وتفسير قولها ساعي بهر ، تقول : اضرب بمعولك ما كان حديدا . فانتشر خبر بناء أبرهة هذا البيت في العرب ، فدعا رجل من النساءة من بني مالك بن كنانة فتبين منهم ، فأمرهما أن يذهبا إلى ذلك البيت الذي بناه أبرهة بصنعاء فيحدثا فيه ، فذهب بهما ففعلا ذلك ، فدخل أبرهة البيت فرأى أثرهما فيه فقال : من فعل هذا ؟ فقيل : رجلان من العرب ، فغضب من ذلك وقال : لا أنتهي حتى أهدم بيتهم الذي بمكة ، قال : فساق الفيل إلى بيت اللّه الحرام ليهدمه فكان من أمر الفيل ما كان . ا ه . فلم يزل القليس على ما كان عليه ، حتى ولي أبو جعفر المنصور أمير المؤمنين العباس بن الربيع بن عبيد اللّه الحارثي اليمن ، فذكر العباس ما في القليس من النقض والذهب والفضة ، وعظم ذلك عنده وقيل له : إنك تصيب فيه مالا كثيرا